بـــيــــت الذبـــــــــــابة تيسير نظمي قاص من فلسطين لا بوازع اخلاقي و لا بقرأة أدعيه ابقيت علي حياة ذبابة صغيرة اكتشفت وجودها المؤنس علي مقربة من وحدتي اللامتناهية. لم يكن الجو يوم ذاك قائظا إلي الحد الذي يستفز الذباب و لا كانت ثيابي متسخة. لم يكن ما حولي يسوغ لأية ذبابة أن تتحرك فوق أجواء صمتي النحاسية. بل كنت ساهما، كعادتي، اتلمس بعيني عالمي في عزلة تنزلق علي جدرانها انثي العنكبوت و لا يألفها ذكر العنكبوت. في عزلتي، لا اسمح ، كعادتي، بأي تزاوج يخل بالسلام و السكينة التي أحصل عليها بشق الأنفس وسط عالم متسارع في أجواء تشهد سقوط عشرات الذكور من العناكب كي تستمر إناثها حفاظا علي ناموس الكون و إستمرارية الأنواع، سواء كانت هذه الأنواع نحلا أم ذبابا أم عناكب. فقد دربت نفسي منذ الصغر أن أكون مطلق الأنانية عندما يحين وقتي الذي التحم فيه بصمتي واسمع به دقات قلبي و ليس دقات ساعة بليدة من الوقت. هكذا انا الأصلي، قطعة من السكون المظلل بظلام شفاف تتماوج في عيني الوان من الأسي والخسارات الممتزجة بالسماوي و أحيانا اللازوردي او الكحلي الغامض الذي نادرا ما يزورني أو يهمس في خيالي بغير المتوقع و المعقول و الممكن. و لأن الأمر كذلك، فقد ابقيت في عام ،،1977 في التاسع من آذار علي حركة ذبابة صغيرة وحيدة، اشفقت جدا علي عينيها الحزينتين اللتين رأيت فيهما بقدراتي الذهنية المجهرية انهما تنتميان لمسحة حزن ظليل حدد لي سماتي النفسيشة و الانسانية منذ الخليقة بأكثر مما حدده لي حمض الـDNA اللعين. هي غير ضارة و غير مزعجة ،لا طنين لها يعلو أكثر من طنين الصمت و آلام البشرية التي لا يسكنها غير الموت القديم العتيق الأصيل الواقعي الصلب الجيولوجي المتراكم الطبقات من الأجيال والشعوب اناثها بذكورها صغارها و شيوخها المسنين. هكذا تهاتفت النفس مع النفس نافية فكرة إستخدام وابل من الكيماويات و المبيدات المخترعة في مصانع الموت ضد ذبابة صغيرة لا حول لها و لا قوة. و هكذا راق لها رغم صغر السن أن تتغذي علي الطمأنينة الثقيلة و الهواء الثقيل الذي أكاد اتنفسه بشق الأنفس نتيجة لإصابتي المزمنة بانخفاض الضغط و نقص الأملاح و هبوط الروح التي أجدها احيانا بين قدمي كعثرة من العثرات التي لا تنتهي أو تزول من دربي. روحي اعرفها منذ أمد بعيد، كرة قدم معدنية غير قابلة للطيران أو التدحرج فوق سطح عالم دبق يأسرها في صدري كمعيق لإستنشاق الهواء الطلق العليل المليئ بأوكسجين الحياة الدافق. و هكذا فكرت بمسؤولية عالية أنني قد أتحمل مسؤولية إنجذاب تلك الذبابة الصغيرة إلي روحي الكسلي عن الحياة. فلست بغباء ذكر العنكبوت كي اقبل دون حكمة أو تعقل علي الحياة كي أرشف منها رشفة الموت اللعينة. منذ الصغر كنت أتجنب الأنثي. أراقبها عن بعد إذا كانت جميلة. اشاركها الأسي إن لم تكن جميلة و أستبقي لحظة عينيها بخيالي و بسمتها أو صوتها لمسراتي الخاصة دون ان أقترب و أخوض فيها و في غموضها أو إنقلاباتها المسكونة بمفاجآت الملل أو الروتين أو الغدر كما لو كانت بمثل ما يقال عن مثلث برمودا. فكيف لي أن أقترب إذا ما كنت عارفا بأسرار أنثي العنكبوت التي يقتل ذكرها بعد ليلة الدخلة فتواصل العيش دونه و دون فحولته الغبية. و ما دامت ذبابة فلم أكترث في الرابع عشر من نيسان إن كانت تلك الصغيرة من ذكر الذباب أم من انثاه، فقلما خطر ببالي تفحص الذباب أو التفرقة حسب الجنس أو اللون فقد أدركت أنها صغيرة و غير مؤذية و هادئة بل ووديعة لا طنين لها يعلو علي طنين الروح الثكلي أو الزمن النائم أو السكون المنصوب فوق روحي مثل خيمة في لهيب صحراء الربع الخالي. و هكذا آنست فيها مؤنسا لعالمي الذي إتسع للضواري و الوحوش فكيف لا يتسع لذبابة! وما ان عدت من يوم عملي الشاق حتي وجدتها قد غيرت مكانها فإذا بها فوق مكتبي. أزحت لها الكتب كي لا أغفل فأغلق عليها سهوا كتابا فتموت. و منحتها مساحة معقولة من المكتب. وفي اليوم التالي عدت الي المكان ذاته لأجدها فوق كرسي المكتب، و لم أرد ازعاجها، فأنتظرت حتي ملت الجلوس فوق كرسي المكتب و أخذت تتمشي علي مسنده ثم قفزت إلي كتاب رأس المال لكارل ماركس و بالقرب من اسمه المكتوب علي الغلاف جلست دون حراك. فخشيت عليهامن هذا الموقع الخطير و علي ذكراه هو أيضا. لذلك مددت يدي برفق نحوها فاذا بها تجلس فوق سبابتي التي أكتب بها. و بقيت ديمقراطيا معها لا أريد ارغامها علي ما لا تريده أو تراه مناسبا عقب تدخلي في موقعها علي الكتاب لأسباب أيديولوجية. لذلك ألغيت مشروع كتابة رواية أو قصة حرصا علي حسن سلوكياتي و ممارستي مع ذبابة صغيرة لا حول لها ولا قوة، لا حزب لها و لا تنظيم، لا عائلة لها و لا مصدر رزق. بل أنها ربما تعاني عند غيابي عن المنزل من مشاهد الموت المرعبة المتمثلة بعبوات الـDDT والغازات السامة التي جعلتها الحضارة في متناول ايدينا لإبادة الصراصير و البعوض و الذباب و الصمت و الأوكسجين و الحزن و أشياء جميلة لا حصر لها. لكنني في الشهور التالية بدأت الاحظ ما طرأ عليها من تغيرات، فقد غدت كبيرة و أصبح لها طنين و شرعت تتجول بزهو في المنزل و دون حياء. فقلت لنفسي: أو ليس هذا حقها في النمو و التطور و الفرح والحبور؟ لكن هذا الاعتقاد سرعان ما طرأ عليه ما يزلزله من اساسه المكين. فقد عدت ذات يوم و تحديدا في صيف عام 1982 لأجدها بحجم عصفور يجلس دون وجل علي مكتبي و تأكل السكر و تشرب الشاي و بعض الكعك الذي لم يرق لي ان اذوقه بعد ممارستي لعبث الشراء. و لكأنما كنت علي موعد مع هذه الطفرة، فالعالم اصبح يستخدم كل مخترعاته دون حكمة أو تعقل في كل شيئ ، فلماذا لا تكون هنالك طفرة في نمو الذباب أو علي الأقل في نمو ذبابة واحدة فقط تعاني مثلي من العزلة و الصمت و الضياع و الحزن ؟ غير أن كل معتقداتي و عقلانيتي وواقعيتي اهتزت اليوم عندما عدت إلي المنزل لأجدها ذبابة بحجم الذئب و بانيابه و بتكشيرة لبؤة تجلس في مكاني و تقول: من سمح لك بالدخول؟